الإخطبوط من عمّان- خاص
حكومة نادر الذهبي رحلت على وقع خطايا وتصعيد متبادل بين الثنائي باسم- محمد
في الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر 2007 كان إستحقاق التغيير على رأس الحكومة الأردنية برئاسة معروف البخيت قد بلغ مداه، وكان عاهل الأردن الملك عبدالله الثاني يقلب أوراق شخصيات أردنية، ويفاضل بينها بصمت، لكنه قرر فجأة أن يجري مشاورات عصف ذهني لهذا المنصب، إذ قرر السماع لتوصيات وإستشارات من مدير مكتبه آنذاك باسم عوض الله، ومدير المخابرات محمد الذهبي، فيما كانا الذهبي وعوض الله بعد تقاسمهما مقاعد البرلمان الأردني الجديد الذي أجريت إنتخاباته للتو، قد اتفقا ضمنا على ترشيح الذهبي للملك إسم عوض الله لقيادة حكومة أردنية إقتصادية بعد الإنتخابات، ودخلا الى لقاء الملك على هذه النية.
في الطريق الى مكتب الملك في القصر الملكي فكر الذهبي – وفقا لمقربين منه- أن يتراجع عن دعم ترشيح عوض الله، لأن الملك قد لا يقبل التوصية، وقد لا يرضى عن تحالفه العلني مع عوض الله، ويفكر الذهبي أيضا – كما أسر لمقربين منه-، حول السر وراء الإستشارة الملكية لهذا المنصب لو أن عينه كانت على عوض الله، أو على الأقل أنه يفكر به لهذا المنصب، إذ سرعان ما قرر الذهبي الإخلال والنكث بوعوده، والتضحية بتحالفه "المصلحي" مع عوض الله، إذ بمجرد أن وجه الملك سؤالا للذهبي حول إسم الشخصية المفترضة لرئاسة الحكومة فسرعان ما أكد الذهبي أنه ينصح بإسم رئيس الوزراء السابق فايز الطراونة كشخصية تزاوج بين السياسة والإقتصاد، كما أنه أحد أبناء النظام.
صعق عوض الله من رد الذهبي، فقرر المغامرة والمقامرة بطرح إسمه لهذا المنصب، كشخص يجمع بين السياسة والإقتصاد إذا كانت هذه قاعدة في نظر المخابرات، إلا أن الملك الذي صعق هو الآخر من شكل وحجم المناكفة بين أقرب رجالاته إليه، قرر طرح إسم الشقيق الأكبر لمدير المخابرات رئيسا لحكومة إقتصادية وهو نادر الذهبي الذي كان وقتذاك يرأس منطقة العقبة الإقتصادية الخاصة، لكن الطرح الملكي فاجأ الذهبي الأصغر بشدة، بينما أراح عوض الله نسبيا، إذ أن عوض الله يعرف مسبقا أن علاقة الشقيقين ليست على ما يرام أبدا، وأن ثمة خلافات نسائية تطبع علاقة الشقيقين، كما أن نادر سبق أن شكى لعوض الله بصفته مديرا لمكتب الملك من تدخل المخابرات في عمل المنطقة الإقتصادية الخاصة.
أحرج محمد الذهبي بشدة، فهو عدا عن الخلاف مع شقيقه، فإنه يعتبر أن القصر قد أسقط خياره لهذا المنصب، كما أنه بات مستهدفا في موقعه، فهو اعتقد للحظات أن إختيار شقيقه الأكبر لمنصب بهذا المستوى، دعوة له للإستقالة من منصبه كمدير للمخابرات، وواقع الحال أن الملك لم يقصد هذا الأمر على الإطلاق، بل أن الملك مع مبادرة الذهبي طوعا للإستقالة أكد أنه لا ينظر لرابطة القرابة بين أي مسؤول وآخر، وأن معياره الوحيد في وزن الأمور هو العمل والأداء.
حاول عوض الله توسيع رقعة الخلاف بين الأخوين الذهبي، عبر الإتصال من داخل مكتبه في القصر الملكي على الهاتف الخاص لنادر الذهبي ليبشره بالإختيار الملكي له، موحيا بطريقة ذكية للذهبي الأكبر أنه كان وراء هذا الترشيح رغم معارضة المخابرات في إشارة الى شقيقه الأصغر، لكن عوض الله رغم حنكته وإتقانه للف والدوران غفل عن قواعد إنسانية تتحكم في علاقات الأشقاء، إذ سرعان ما نجح الأخوين الذهبي في تطويق خلافتهما، وتطويعها لمصلحة طرد باسم عوض الله من القصر الملكي الذي أصبح فيه رئيسا للديوان الملكي، فقد شن الأخوين الذهبي حربا سياسية وإعلامية كان محورها المخابرات ضد عوض الله الذي تمسك به الملك الأردني لآخر لحظة، بل أن البرلمان الذي يمتلك فيه الذهبي نصف المقاعد تقريبا، قد جعله محمد الذهبي مظلة حماية لحكومة شقيقه من أي نقد، ووظف هذه المطلة لمهاجمة باسم عوض الله، إذ جرى إختراع العديد من القصص حوله، قبل أن تحترع أفكار محمد الذهبي قصة الولاية العامة للحكومة، وسرقة باسم عوض الله لها.
في الليلة الأخيرة من شهر رمضان عام 2008، وتحديدا في التاسع والعشرين من شهر سبتمبر، فقد أقصى الملك الأردني باسم عوض الله عن رئاسة الديوان الملكي بشكل مفاجئ، وتقول مصادر في القصر الملكي أن الملك كان بصدد توقيع قرار آخر يتضمن إقالة محمد الذهبي من منصبه لإنهاء حالة الحرب السياسية والإعلامية التي أديرت من مكاتب المخابرات والملك، لكن الملك قدر بأن الأمر سيعتبر كما لو أن الملك عاجز عن السيطرة على خلاف لشخصين على رأس مؤسستين تديران دفة الأمور، فقرر طرد عوض الله من منصبه، وأبقى الذهبي.
طرد عوض الله من القصر الملكي وفر للأخير فرصة نادرة لشن هجوم سياسي وإعلامي معاكس لم يكن مسموحا له القيام به من داخل القصر الملكي، إذ دفع الأخوين الذهبي للإحتماء من ضرباته، بل ووجه كيانات إقتصادية خليجية الى التهديد بمغادرة الأردن، إذا استمرت مضايقة الذهبي لهم، عبر التضييق على الإجراءات، إذ بمجرد خروج عوض الله من القصر، فقد طلب الذهبي أن تعاد جميع المشاريع الإستثمارية التي جلبها باسم عوض الله للتدقيق الأمني، ولم يعد يجد الأخوين الذهبي شماعة يعلقان عليها الأخطاء، فقدرا أن الوضع خطير جدا.
في ليلة التاسع والعشرين من شهر ديسمبر 2008 طرد محمد الذهبي من منصبه إثر غضب ملكي لا سابق له، وعين بدلا منه مساعده للشؤون العامة للمحافظات اللواء محمد الرقاد، وهنا فقد شقيقه نادر المظلة الأمنية والبرلمانية التي كانت تستر عيوب حكومته، إذ طلب منه القصر إجراء تعديل وزاري يخرج بموجبه من التشكيل الوزاري جميع أنصار وموالاة الذهبي الأصغر وعوض الله، إلا أن الحكومة بدأت تتخبط، إذ بدأت الغالبية البرلمانية تنهش لحمها، وبدأ البرلمان يتحدث عن المظلة الأمنية المرعبة لشقيقه، بل أن البعض طالب بالتحقيق بالتزوير الذي طال نتائج إنتخابات البرلمان عام 2007، ومع توالي ضربات عوض الله من خارج المشهد السياسي الأردني، قرر الملك تنفيس الإحتقان السياسي مع تصاعد مطالب البرلمان، إذ قرر حل البرلمان إستنادا الى تنسيب حكومي، ثم أقيل نادر الذهبي، وعين محله خلافا لتوقعات الأوساط السياسية الأردنية الشاب سمير الرفاعي.